يوم مشهود في علاقتي بابني

ابني الذي تعدى السنوات الخمس من عمره كان يصيبني بالجنون.. حين يخطأ فأعاقبه مثل أي طفل ومثل أي أم يتصرف تصرف عجيب غير مفهوم غير منطقي .. كان حينما يخطئ أو يغضبني أعاقبه قدر إمكاني عقاب يتناسب مع خطئه .. وفي كل مرة يكون رد فعله على عقابي أو حتى مجرد تصريحي أني غاضبة منه كالآتي: “طيب أنا زعلان منك.” لم أفهم أبداً تصرفه .. في حالات هدوئي كنت أسأله: “زعلان مني ليه؟ مش انت اللي غلطت؟” ودائماً لا يجيبني .
وفي حالات غضبي يكون نفس الكلام تقريباً ولكن بشكل صراخ!! “هو مين اللي غلطان؟ مش انت؟ يبقى أنا اللي أزعل .. أنا مش فاهمة حاجة.. انت زعلان ليه دلوقتي؟؟”
حتى جاء اليوم المشهود والذي لم يمر عليه أكثر من 48 ساعة إلا أنني أعتقد أنه يمثل نقطة تحول في حياة إبراهيم ابني وفي علاقتنا.
إبراهيم له أخ يصغره وأنا قدر استطاعتي أحاول أن أكون منصفة فلا أجور على حق أحدهما على حساب الآخر حتى ولو مالت مشاعري تجاه أحدهما أكثر من الآخر (حينما أكون على وعي بذلك!)
في ذلك اليوم ورغم أنها ليست المرة الأولى أنصفت إبراهيم على أخيه الصغير ، وهما كأي أخين كثيرو الاختلاف ، هذا غير أنني حين لا أستجيب لطلباتهما يغضبان وحين أستجيب لهما يختلفان!!
المهم تعطلت سيارتي واضطررنا لاستخدام المترو للوصول إلى الحضانة يومان متتاليان.. في اليوم الأول فاز صغيري بوضع التذكرة في الجهاز المخصص لذلك لمرورنا نحو المترو ووضعها إبراهيم عند وصولنا المحطة للخروج منها.
في اليوم الثاني لم تخذلني ذاكرتي وأصررت على أن يضع إبراهيم التذكرة حسماً لخلاف قبل بدئه وقبل أن يبادر إبراهيم بطلبه ، مر الموقف نوعاً ما بسلام بعد تذكرة صغيري بأنه سيضع التذكرة عند الوصول ورغم اعتراضه الذي لم يستمر طويلاً ..
أما إبراهيم فقد غمرته سعادة ورضا ظهرا على وجهه جعلاني أفكر في فتح حوار معه بهذا الشأن .. انتظرت حتى أستطيع أن أسأله دون أن يسمعني أحد المارة وكأنهم يقبضون على أمثالي!! خلت البقعة التي انتظرنا فيها المترو من المارة تقريباً فقلت له: “أنا بحبكوا انتو الاتنين وعايزاكم انتو اللتنين مبسوطين .. انت عارف كده ولا متعرفش؟؟” …. لم يرد علي .. فسألته: “هو انت فاكر إنني لما أتضايق منك يبقى مش بحبك؟” …. لم يرد ، فشرحت: “أوعى تكون فاكر كده.. أنا لما بتضايق منك يبقى عشان بتعمل حاجة تضايقني بس برضه بحبك .. انت متعرفش كده ولا إيه؟”
رد وكأنه لقى لقية: “مقلتيش كدة من الأول ليه؟؟”
قلت له: “افتكرتك عارف .. أنا بحبك انت وأخوك ولما بتعمل حاجة بتضايقني بتضايق بس برضه بحبك.”
ابتسم ابتسامة عريضة فطلبت منه أن أقبله وأحضنه فاقترب على استحياء ناظراً حوله عن عيون ترقبنا وكنا ساعتها داخل المترو في طريقنا للحضانة..
بعدها .. أي منذ يومان تغير سلوك إبراهيم تماماً فبدلاً من أن يتحجج حين أطلب منه ترتيب حجرته بأن يديه تؤلمه أو بأنه لم يسهم في وصولها إلى هذه المرحلة أو أن يعدني بترتيبها ولا يفعل .. في ثوان اليوم كان قد جمع كل اللعب في كيس واحد وهو فخور بما فعل وحين عبرت عن سعادتي به وبأمنيتي أن تظل الحجرة كذلك حتى غداً .. قال لي: “حاخليها كده النهاردة وبكرة بعد بكرة وبعد بعده ..”
الموضوع ببساطة أنه كان في حاجة إلى أن يسمع صراحة أنني أحبه حتى حين يخطأ لأنه اعتقد أن بعقابي له أنني لا أحبه..
Published in:  on August 28, 2005 at 9:55 pm Comments (12)